الجصاص

225

أحكام القرآن

34 ] ، وكقوله : ( فماذا تأمرون ) [ الشعراء : 35 ] وقبله حكاية قول الملأ : ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ) [ الشعراء : 35 ] . قوله تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء ) ، يعني أن النفس كثيرة النزاع إلى السوء ، فلا يبرئ نفسه وإن كان لا يطاوعها . وقد اختلف الناس في قائل هذا القول ، فقال قائلون : " هو من قول يوسف " ، وقال آخرون : " هو من قول المرأة " . الأمارة : الكثيرة الأمر بالشيء ، والنفس بهذه الصفة لكثرة ما تشتهيه وتنازع إليه مما يقع الفعل من أجله ، وقد كانت إضافة الأمر بالسوء إلى النفس مجازا في أول استعماله ثم كثر حتى سقط عنه اسم المجاز وصار حقيقة ، فيقال نفسي تأمرني بكذا وتدعوني إلى كذا من جهة شهوتي له ، وإنما لم يصح أن يأمر الانسان نفسه في الحقيقة لأن في الأمر ترغيبا للمأمور بتمليك مالا يملك ، ومحال أن يملك الانسان نفسه مالا يملكه لأن من ملك شيئا فإنما يملك ما هو مالكه . قوله تعالى : ( وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ) . هذا الملك لما كان من أهل العقل والدراية لم يرعه من يوسف منظره الرائع البهج كما راع النساء لقلة عقولهن وضعف أحلامهن ، وأنهن إنما نظرن إلى ظاهر حسنه وجماله دون علمه وعقله وأن الملك لم يعبأ بذلك ، ولكنه لما كلمه ووقف على كماله ببيانه وعلمه قال : ( إنك اليوم لدينا مكين أمين ) ، فقال يوسف : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) ، فوصف نفسه بالعلم والحفظ . مطلب : يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه وفي هذا دلالة على أنه جائز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه ، وأنه ليس من المحظور من تزكية النفس في قوله تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم ) [ النجم : 32 ] . قوله تعالى : ( ائتوني بأخ لكم من أبيكم ) إلى قوله : ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ) . يقال إن الذي اقتضى طلبه للأخ من أبيهم مفاوضته لهم بالسؤال عن أخبارهم ، فلما ذكروا إيثار أبيهم له عليهم بمحبته إياه مع حكمته أظهر أنه يحب أن يراه وأن نفسه متطلعة إلى علم السبب في ذلك ، وكان غرضه في ذلك التوصل إلى حصوله عنده ، وكان قد خاف أن يكتموا أباه أمره إن ظهر لهم أنه يوسف وأن يتوصلوا إلى أن يحولوا بينه وبين الاجتماع معه ومع أخيه ، فأجرى تدبيره على تدريج لئلا يهجم عليهم ما يشتد اضطرابهم معه .